الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
456
تفسير روح البيان
كان من الرجال من في قلبه ريبة يتأخر إلى آخر صف الرجال ومن النساء من في قلبها ريبة تتقدم إلى أول صف النساء لتقرب من الرجال فنزلت وفي الحديث ( خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ) قال في فتح القريب هذا ليس على عمومه بل محمول على ما إذا اختلطن بالرجال فإذا صلين متميزات لا مع الرجال فهن كالرجال ومن صلى منهن في جانب بعيد عن الرجال فأول صفوفهن خير لزوال العلة والمراد بشر الصفوف في الرجال والنساء كونها أقل ثوابا وفضلا وأبعدها عن مطلوب الشرع وخيرها بعكسه . وانما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن عن مخالطة الرجال ورؤيتهن وتعلق القلب بهن عند رؤية حركاتهن وسماع كلامهن ونحو ذلك . وذم أول صفوفهن لعكس ذلك والصف الأول الممدوح الذي وردت الأحاديث بفضله والحث عليه هو الذي يلي الامام سواء كان صاحبه على بعد من الامام أو قرب وسواء تخلله مقصورة أو منبرا وأعمدة ونحوها أم لا هذا هو الصحيح وقيل الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه لا تتخلله مقصورة ونحوها فان تخلل الذي يلي الامام شئ فليس بأول بل الأول ما لم يتخلله شئ وان تأخر وقيل الصف الأول عبارة عن مجيئ الإنسان إلى المسجد أولا وان صلى في صف متأخر وعن انس رضى اللّه تعالى عنه حض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الصف الأول في الصلاة فازدحم الناس عليه وكان بنو عذرة دورهم قاصية عن المسجد فقالوا نبيع دورنا ونشترى دورا قريبة من المسجد فانزل اللّه تعالى هذه الآية يعنى انما يؤجرون بالنية وفي الحديث ( ألا أدلكم على ما يمحو اللّه به الخطايا ويرفع به الدرجات ) قالوا بلى يا رسول اللّه قال ( إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة ) قال في فتح القريب الدار البعيدة لمن يقدر على المشي أفضل وهذا في حق من هو متفرغ لذلك ولا يفوته بكثرة خطاه أو مشيه إلى المسجد مهم من مهمات الدين فإن كان يفوته ذلك كالاشتغال بالعلم والتعلم والتعليم ونحو ذلك من فروض الكفاية فالدار القريبة في حقه أفضل وكذا الضعيف عن المشي ونحوه فان قيل روى الإمام أحمد في مسنده ان النبي صلى اللّه عليه وسلم قال ( فضل البيت القريب من المسجد على البعيد منه كفضل المجاهد على القاعد عن الجهاد ) فالجواب ان هذا في نفس البقعة وذاك في الفعل فالبعيد دارا مشيه أكثر وثوابه أعظم والبيت القريب أفضل من البيت البعيد ولهذا قيل في قوله صلى اللّه عليه وسلم ( الشؤم في ثلاث المرأة والدار والفرس ) ان شؤم الدار أن تكون بعيدة عن المسجد لا يسمع ساكنها الاذان قال العلماء ينبغي ان يستثنى من أفضلية الا بعد الامام فان النبي عليه السلام والأئمة بعده لم تتباعد عن المسجد لطلب الاجر واختلف فيمن قربت داره من المسجد هل الأفضل له ان يصلى فيه أو يذهب إلى الأبعد فقالت طائفة الصلاة في الأبعد أفضل عملا بظاهر الأحاديث وقيل الصلاة في الأقرب أفضل لما روى الدار قطني ان النبي صلى اللّه عليه وسلم قال ( لا صلاة لجار المسجد الا في المسجد ) ولاحياء حق المسجد ولما له من الجوار فإن كان في جواره مسجد ليس فيه جماعة وبصلاته فيه تحصل الجماعة كان فعلها في مسجد الجوار أفضل على المذهب لما في ذلك من عمارة المسجد واحيائه بالجماعة اما لو كان